أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

400

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قال : يقال : ردفت الرجل وأردفته إذا ركبت خلفه ، وأنشد : 2404 - إذا الجوزاء أردفت الثّريّا * ظننت بآل فاطمة الظّنونا « 1 » أي : جاءت على ردفها . وقيل : بل بينهما فرق ، فقال الزجاج : « يقال : ردفت الرجل : ركبت خلفه ، وأردفته : أركبته خلفي » . وهذا يناسب قول من يقدر مفعولا في « مُرْدِفِينَ » بكسر الدال . « وأردفته إذا جئت بعده أيضا ، فصار « أردف » على هذا مشتركا بين معنيين » . وقال شمر : « ردفت وأردفت إذا فعلت ذلك بنفسك ، فأما إذا فعلتهما بغيرك فأردفت لا غير » . وقوله : « مردفين » بفتح الدال ، فيه وجهان : أظهرهما : أنه صفة ل « ألف » ، أي : أردف بعضهم لبعض . والثاني : أنه حال من ضمير المخاطبين في « مُمِدُّكُمْ » . قال ابن عطية : « ويحتمل أن يراد بالمردفين : المؤمنون ، أي أردفوا بالملائكة » . وهذا نص فيه ذكرنه من الوجه الثاني . وقال الزمخشري : « وقرىء مُرْدِفِينَ » بكسر الدال وفتحها ، حين قولك : ردفه ، إذا تبعه ، ومنه قوله تعالى : « رَدِفَ لَكُمْ » أي : ردفكم ، وأردفته إيّاه إذا أتبعته ، ويقال : أردفته كقول : أتبعته إذا جئت بعده ، فلا يخلو المكسور الدال من أن يكون بمعنى « متبعين » ، أو « متّبعين » ، فإن كان بمعنى « متبعين » فلا يخلو من أن يكون بمعنى متبعين بعضهم بعضا ، أو متبعين لبعض ، أو بمعنى متبعين إيّاهم المؤمنين ، معنى يتقدمونهم فيتبعونهم أنفسهم ، أو متبعين لهم يشيعونهم ويقدمونهم بين أيديهم ، وهم على ساقتهم ، ليكونوا على أعينهم وحفظهم ، أو بمعنى متبعين أنفسهم ملائكة آخرين ، أو متبعين غيرهم من الملائكة ، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى في سورة آل عمران : بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ، بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ومن قرأ « مردفين » ، بالفتح ، فهو بمعنى « متبعين ، أو متّبعين » . قلت : وهذا الكلام على طوله ، شرحه أن « أتبع » بالتخفيف ، يتعدى إلى مفعولين ، و « اتّبع » بالتشديد ، يتعدى لواحد ، و « أردف » قد جاء بمعناهما ، ومفعوله ، أو مفعولاه محذوف ، لفهم المعنى ، فيقدر في كل موضع ما يليق به ، إلا أن الشيخ عاب عليه قوله : « متبعين إيّاهم المؤمنين » ، وقال : « هذا ليس من مواضع فصل الضمير ، بل مما يتصل ، وتحذف له النون ، لا يقال : هم كاسون إيّاك ثوبا ، بل كاسوك ، فتصحيحه أن يقول : متبعيهم المؤمنين ، أو متبعين أنفسهم المؤمنين » . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 ) قوله : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ . الهاء تعود على الإمداد ، أي وما جعل اللّه الإمداد ، ثم هذا الإمداد يحتمل أن يكون المنسبك من قوله : « أَنِّي مُمِدُّكُمْ » ، إذ المعنى : فاستجاب بإمدادكم ، ويحتمل أن يكون مدلولا عليه بقوله : « مُمِدُّكُمْ » ، كما دل عليه فعله قوله « اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » « 2 » ، وهذا الثاني أولى ، لأنه متأت على قراءة الفتح والكسر في « أَنِّي » ، بخلاف

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 8 ) .